أحمد بن علي الرازي
25
شرح بدء الأمالي
وقالت المعتزلة : العقل أفضل من العلم . قلنا : إن معرفة الله ومعرفة صفاته ، والانقياد بأوامره والاجتناب عن نواهيه لا يحصل ذلك إلا بالعلم ، وإن العلوم كلها حسنة وأحسنها وأجلها علم الكلام « 1 » ، والدليل عليه
--> - أن الشارع أوجب الغسل من الجنابة مع أن المنى طاهر بالاتفاق ، ولم يوجب الغسل من البول والعذرة مع أنهما نجستان بالاتفاق ، فلو عرض ذلك على العقل لأوجب العكس ولأبطل الشرع . أما ما تقرر في الأصول عند أهل السنة ، وهو تقديم المنقول على المعقول ، وعدم الفصل بينهما ؛ لأن المنقول يعرف بالعقل ، وهو معنى دلالة الاقتضاء عند الأصوليين ، وهي دلالة اللفظ على ما يتوقف عليه الصحة العقلية بشرط ألا تخرج هذه الصحة العقلية عن المقاصد الشرعية أو عن المعاني اللغوية . ومثال عدم خروج الصحة العقلية عن المقاصد الشرعية حديث : « إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان » . فالعقل المجرد عن المقاصد الشرعية يقضى أن الخطأ والنسيان لا يوجدان في الأمة ، والواقع يخالف ذلك ، فالجزم على هذا المفهوم غير صادق ، وهذا محال لصدوره عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ، إذن لا بدّ من تقدير الكلام ، وهو عدم المؤاخذة أو بمعنى آخر : رفع الإثم عن الأمة حال الخطأ والنسيان . ومثال عدم خروج الصحة العقلية عن المعنى اللغوي قوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ فالتقدير أهل القرية ؛ فإن لم تقدر لم تصح عقلا . ونرد عليهم أيضا بأن المنقول فيه ما أبهم سببه ككثير من العبادات والعادات ؛ فإن عرض الخطاب الّذي أبهم سببه على العقل بحجة تفهّم السبب وقعت الواقعة والمصيبة ، فيقدم العقل القاصر على الخطاب الثابت ، فلا يمتثل المكلف للخطاب ريبة أو نكرانا ، وكلاهما كفر نعوذ بالله من ذلك . والجامع بين العقل والنقل هو أن يكون المكلف قادرا على الفهم ، فإن لم يكن قادرا سقط التكليف ؛ والفهم هو بلوغ القدر الّذي يتوقف عليه الامتثال إلى عقل المكلف من الخطاب ؛ لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك وبه تتوجه الإرادة إلى الامتثال والله أعلم . انظر « المداخل الأصولية للاستنباط من السنة النبوية » . ( 1 ) علم الكلام المسمى بأصول الدين هو : خلط من الفلسفة الجاهلية بالعقيدة الإسلامية : صنع منه ما يسمى في عصرنا هذا بالفلسفة الإسلامية ، وهو أحد مباحث الفلسفة الجاهلية المسمى « بالميتافيزيقا » ؛ وهي تقوم بدراسة طبيعة الحقيقة النهائية ، ويطلق عليها ما وراء الطبيعة ، وتقوم بدراسة الطبيعة أو ما فوقها ، أو بمعنى آخر : دراسة الإلهيات فجاءت بمصطلحات مبتدعة وخالفت طريقة الكتاب والسنة التي هي طريقة السلف . -